الفيض الكاشاني

206

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

فإذا بلغت المسجد فاذكر أنّ فرائض اللَّه تعالى أوّل ما أقيمت في تلك العرصة وأنّها جمعت أفضل خلق اللَّه حيّا وميّتا فليعظم أملك في اللَّه عزّ وجلّ أن يرحمك بدخولك إيّاه ، فأدخله خاشعا معظَّما ، وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كلّ مؤمن . وأما زيارة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفناه وتزوره ميّتا كما تزوره حيّا ، ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيّا واعلم أنّه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنّه يبلغه سلامك وصلواتك فمثّل صورته الكريمة في خيالك موضوعا على اللَّحد بإزائك وأحضر عظيم رتبته في قلبك فقد روي عنه عليه السّلام « أنّ اللَّه تعالى وكلّ بقبره ملكا يبلَّغه سلام من سلَّم عليه من أمّته » [ 1 ] هذا في حقّ من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقا إلى لقائه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاتته مشاهدة غرّته الكريمة ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من صلَّى عليّ مرّة صلَّى اللَّه عليه عشرا » ( 1 ) فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ببدنه ، ثمّ ائت المنبر وتوهّم صعود النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم المنبر ومثّل في قلبك طلعته البهيّة قائما على المنبر وقد أحدق به المهاجرون والأنصار وهو يحثّهم على طاعة اللَّه بخطبته ، وسل اللَّه أن لا يفرّق في القيامة بينك وبينه فهذا وظيفة القلب في أعمال الحجّ . فإذا فرغ منها كلَّها فينبغي أن يلزم قلبه الهمّ والحزن والخوف ، فإنّه ليس يدري أقبل حجّه وأثبت في زمرة المحبوبين أو ردّ حجّه والحق بالمطرودين ، وليعرف ذلك من قلبه ومن أعماله ، فإن صادف قلبه قد ازداد تجافيا عن دار الغرور وانصرافا إلى الإنس باللَّه ووجد أعماله قد اتّزنت بميزان الشرع فليثق بالقبول ، فإنّ اللَّه لا يقبل إلا ممّن أحبّه ومن أحبّه تولاه وأظهر عليه آثار محبّته ، وكفّ عنه سطوة عدوّه إبليس ، فإذا ظهر ذلك عليه دلّ على القبول ، وإن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظَّه من السّفر العناء والتعب نعوذ باللَّه منه » .

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في السنن ج 3 ص 50 بألفاظ مختلفة . [ 1 ] أخرجه النسائي ج 3 ص 43 ولفظه « ان للَّه ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام » .